صديق الحسيني القنوجي البخاري
426
فتح البيان في مقاصد القرآن
المخصبات ، وإسناد الأكل إلى السنين مجازي تطبيقا بين المعبر والمعبر به كما في نهاره صائم . وفيه تلويح بأنه تأويل الأكل العجاف السمان واللام في لهن ترشيح لذلك فكأن ما ادخر في السنابل من الحبوب شيء قد هيء وقدم لهن كالذي يقدم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدم للناس فيهن والمعنى يأكل الناس فيهن أو يأكل أهلهن ما قدمتم أي ما ادخرتم لهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي مما تحبسون من الحب لتزرعوا به لأن في استيفاء البذر تحصين الأقوات . وقال أبو عبيدة : معناه تحرزون وقيل تدخرون وقيل تخزنون والمعنى واحد والإحصان الاحراز وهو إبقاء الشيء في الحصن بحيث يحفظ ولا يضيع . أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد عجبت من يوسف عليه السلام وكرمه وصبره واللّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط عليهم أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف عليه السلام وصبره وكرمه واللّه يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر » . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 49 إلى 53 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ السنين المجدبات عامٌ سنة وهذه بشارة منه لهم زائدة على تعبير الرؤيا ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب على العادة الإلهية حيث يوسع على عباده بعد تضييقه عليهم فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ من الإغاثة أو الغوث وهو الفرج وزوال الهم والكرب والغيث المطر وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها وغاث اللّه البلاد يغيثها غوثا امطرها فمعنى يغاث الناس يمطرون . وَفِيهِ يَعْصِرُونَ الأشياء التي تعصر كالعنب والسمسم والزيتون ، وقيل أراد حلب الألبان ، وقيل معناه ينجون مأخوذ من العصرة وهي المنجاة ، قال أبو عبيدة : والعصر بالتحريك الملجأ والمنجى واعتصرت بفلان التجأت به وقرىء بتاء الخطاب ويعصرون بضم الياء وفتح الصاد ومعناه يمطرون ومنه قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ